الرئيسية / مقالات / العلاقات العربية الكردية ..التاريخ ..والواقع.. والآفاق المستقبلية

العلاقات العربية الكردية ..التاريخ ..والواقع.. والآفاق المستقبلية

رغم أن العلاقات العربية الكردية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، إلّا أن العرب (ومصر بالذات) لم ينتبهوا إلى أهمية التطرق إلي تلك العلاقات والعمل على دعمها، بل ولا حتى مجرد إجراء حوارات مباشرة بين الطرفين، ليفهم كل منهما الآخر فهمًا صحيحاّ، نعم جرت بعض اللقاءات العابرة والتي شابها الفتور أحياناّ، ومنها استقبال عبد الناصر للملا مصطفي البارزاني وبعض رفاقه، عند عودة الأخير من منفاه في الاتحاد السوفييتي، ومنها أيضًا الحوار المنفرد السريع بين عبد الناصر أيضاً وجلال الطالباني، على هامش مفاوضات الاتحاد الثلاثي (مصر والعراق وسوريا) عام 1963، لكن المحاولة الجادة الحقيقية كانت عام 1998 عندما نظمت اللجنة المصرية للتضامن مؤتمر الحوار العربي الكردي، والذي اقتصر على كرد العراق فقط، دون باقي الأطراف الكردية الأخرى، على أساس أن المسألة الكردية في العراق، هي التي تهم مصر بالدرجة الأولي، لتأثيرها في دولة عربية محورية (العراق)، في حين أن المسألة الكردية في سوريا لم يكن لها نفس الألق الذي كان  لكرد العراق حينئذ، وقد أحيط هذا المؤتمر بتعتيم إعلامي، امتثالاّ للتدخلات الإقليمية، وبالذات من الحكومتين العراقية والتركية، كما لوحظ على هذا المؤتمر تباين نوعية المشاركة بين الطرفين، فالجانب العربي (وأغلبه مصري) خلا تماماً من أيّ مسؤول سياسي، واقتصر على كتاب وإعلاميين، ممّا يعكس خشية أي مسؤول من الاقتراب من هذه المسألة، حتى لا يحسب على الجانب الرسمي العربي والمصري (على وجه الخصوص) أي موقف قد تكون له تداعياته في العلاقات الدولية والإقليمية، في حين اقتصر الجانب الكردي على سياسيين يتقلدون مناصب رسمية وحزبية في الإقليم الكردي العراقي، لذلك لم يكن الحوار بين ندين متماثلين، وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذا المؤتمر يعتبر علامة مهمة على طريق دعم العلاقات العربية الكردية، ومن الأمور الجديرة بالذكر أنّ الكرد هم الأكثر حرصاّ على إثبات الجذور التاريخية لتلك العلاقة، فهم يجهدون أنفسهم كثيراّ في نبش التاريخ القديم والمتوسط والحديث ، للبحث عن رموز لتلك العلاقة، ولهذا الأمر دلالة هامة فهو يعكس رغبة دفينة لديهم للتقارب مع المكون العربي (والمصري بالذات)، ومن الواجب ألا تهمل هذه الرغبة عربياّ ومصرياّ، بل يجب أن تقابل بالدعم والإسناد، فإبراز نواحي التلاقي مفيد ولاشك، والكرد في هذا الصدد يعودون إلى العصر الفرعوني ليكتشفوا أن ملكة مصر نفرتيتي؛ (جميلة الجميلات) هي كردية ومن الميتانيين (تمثالها الآن هو درة متحف برلين)، ثم يقفون كثيراً عند محرّر القدس وقاهر الصليبيين؛ صلاح الدين الأيوبي، (وما أحوجنا الآن إلي صلاح الدين)، ولعبق تاريخ صلاح الدين، ولزهرة المدائن محررة، فها نحن نرى المناخ السياسي محتدماّ حالياً وبشدة حول تلك المدينة المقدسة والتشبث العربي والإسلامي الواهن (في غياب صلاح الدين) بأن تبقي عاصمة لفلسطين لا لإسرائيل.

إن في قلوب العرب لحسرة على واقعهم الذي غاب فيه من يماثل صلاح الدين، والتاريخ يشهد أيضاً على الدور المهم الذي لعبه الكرد في حضارة المنطقة، فما أكثر رموزهم التي أسهمت بقوة في ذلك، منهم سيبويه مؤسس علم النحو، ومؤسس الدولة العباسية أبو مسلم الخراساني، ورب السيف والقلم محمود سامي البارودي، ومحرر المرأة قاسم أمين، والعائلة التيمورية تلك العائلة الأدبية الشهيرة، وعائلتَي بدرخان ووانلي، ولا يتّسع المجال لذكر كافة تلك الرموز، وما أكثرها.

ممّا يذكره التاريخ أن الأخوين بدرخان لم يجدا سوى القاهرة ليصدرا منها أوّل صحيفة كردية في التاريخ عام 1889، والصفحة الأولى لتلك الصحيفة هي التي تزين درع نقابة الصحفيين بكردستان العراق حالياً، كما يذكر أيضاً أنّ أول إذاعة كردية في التاريخ بثت من القاهرة عام 1957 وبأمر من عبد الناصر، ومن الأمور الطريفة أنّ تركيا احتجت على فتح تلك الإذاعة،  فاستدعى عبد الناصر السفير التركي في القاهرة، وسأله (هل في تركيا أكراد؟)، فأجاب السفير بالنفي، هنا قال عبد الناصر: فلماذا الاحتجاج؟، ولنا هنا ملاحظة، فعبد الناصر أمر بفتح تلك الإذاعة في إطار صراعه السياسي مع حلف بغداد (نوري السعيد ـ عدنان مندريس)، وليس حباّ  بالكرد، وتلك حالة كانت ملازمة للحركة الكردية طوال تاريخها، (انجلترا وموقفها المتغير من محمود الحفيد، الاتحاد السوفييتي وقاضي محمد ومهاباد، إيران والملا مصطفى البارزاني، الولايات المتحدة ومواقفها المتباينة من الحركة الكردية….الخ)، وفي مصر توجد عائلات عديدة تعود أصولها إلى القومية الكردية، فإضافة إلى ما ذكرناه من أسماء نجد أن لقب الكردي تحمله بعض العوائل المصرية، وكذلك ألقاب الكرداوي والكرداني، كما أن لقب الدمرداش والذي يسمى به حي من أحياء القاهرة، وكذلك المستشفى الجامعي لجامعة عين شمس، هذا الاسم كان في الأصل الديمرطاش، وكما هو مكتوب على ضريح من أطلق اسم الحي عليه وهو كردي الأصل، كما أنّ عائلة محيي الدين والتي منها اثنان من أهم رجال ثورة 1952 (خالد وزكريا) هي من أصول كردية، إضافة إلى الإمام محمد عبده، كما أنّ عباس محمود العقاد كردي الأم، وكان  للأكراد رواق بالأزهر الشريف، عندما كان نظام الأروقة هو النظام التعليمي المتبع فيه، ولو انتقلنا إلى المحيط العربي لوجدنا رموزًا كردية عديدة تؤكد على عمق العلاقات التاريخية العربية الكردية، وهي التي يجب أن نبني عليها حالياّ قناعتنا التامة بأهمية توطيدها، من أجل تحقيق الأمن والسلام في المنطقة، ولتوضيح ذلك فإنه من الواجب الإشارة إلى ما تعرّضت له منطقتنا من كوارث، كان لتجاهل المسألة الكردية والتعامل الخشن الفج معها أحد أسباب تلك الكوارث، وربما أهمها، ويذكر في هذا الصدد مسألة الحدود العراقية الإيرانية، تلك الحدود التي تم رسمها بموجب ميثاق سعد أباد عام 1937، وبموجب هذا الميثاق وقع الخط الحدودي بين الدولتين شرق شط العرب، وحاول شاه إيران تعديل الخط الحدودي، ليمر في منتصف شط العرب، لكنّ كافة الحكومات العراقية كانت ترفض ذلك، وإزاء الرفض العراقي ساعد الشاه كرد العراق في ثورتهم ضد الحكومات العراقية المتعاقبة (ليس حباّ بالكرد فلديه في إيران كرد مضطهدون)، إلى أن انتهى الأمر برضوخ الحكومة العراقية لمطالب الشاه، وانتقل الخط الحدودي إلى منتصف شط العرب، ليقسم ضفّتَيه بين العراق وإيران، وذلك  بموجب اتفاقية الجزائر عام 1975، فيما بعد وبعد ثورة إيران، ودخول إيران في صراعات ما بعد الثورة، تصور صدام حسين أنّه قد حان الوقت لاسترداد ما فقده بموجب اتفاقية الجزائر، فهو في أوج قوته، وإيران مزقتها الصراعات، فحرّك جيشه ليسترد ما أخذته إيران، وكانت الحرب المدمرة التي استمرت ثماني سنوات، والتي خلّفت دماراّ وخراباّ فضلًا عن ضحاياها، بل ترتب على تلك الحرب وجودٌ أجنبيٌّ في المنطقة، فأصبح يؤثر في مقدراتها، وبما ينسجم مع مصالحه، لذلك فلو كانت هناك علاقات عربية كردية جيدة، أدت إلى فهم متبادل بين الطرفين، لما نشب هذا الحريق الهائل، والذي مازالت تداعياته تتوالى حتى الآن، من نواكب عديدة ومدمرة نعيش فيها.

إنّ التعتيم والتجهيل الذي خيم على طبيعة العلاقات العربية الكردية، جعل كل من الطرفين ينظر إلى الآخر نظرة ملؤها الشك، فعزيز الحاج الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي العراقي يقول في مقدمة كتابه عن الكرد: “إن سبب بقاء المشكلة الكردية بلا حل هو الشك المتبادل بين الحركة الكردية والحكومات العراقية المتعاقبة”، ففي ظل غياب الحوار والمكاشفة وفقدان الشفافية، راجت الأساطير المشوِّهة بين الطرفين كل عن الآخر، ممّا جعلهما طرفَين معاديين، وأنّ مصالح كل طرف لا تتمّ إلّا على حساب مصالح الطرف الآخر، وتمّ نسيان التاريخ المشترك العظيم الذي كان كل طرف فيه سند للطرف الآخر، وعلى الرغم من أنّ الكرد الذين تتواجد مناطقهم التاريخية في أحضان العرب (العراق وسوريا)، هم حاليًّا الأسعد حالاّ بالمقارنة بأقرانهم المتواجدين في تركيا وإيران، وما كان يجب أن يترتب على ذلك علاقات بين الطرفين؛ (العربي والكردي) أفضل ممّا هي عليه حاليًّا، إلّا أنّ تشرنق كل طرف داخل ذاته وندرة التواصل مع الآخر خلق مناخًا ملائمًا راجت فيه نظرات خاطئة بين الطرفين، وما أكثر الأمثلة على ذلك، لكنّنا سنأخذ مثالًا واحدًا من كل طرف عن الآخر، فالنظرة العربية للمسألة الكردية وطموحاتها؛ هي أن دولة كردية لو نشأت، فإنها ستصبح إسرائيل جديدة في المنطقة، ويغذي هذه الفكرة بعض التصرفات الكردية الفردية وغير المسؤولة، والتي تتحدّث عن إسرائيل بحب بل وقد تتغنّى بها، وبأنّها السند الإقليمي لتحقيق الأماني الكردية، فترفع علماً إسرائيليًّا في تظاهرة، أو تدبك الدبكة الكردية أمام العلم الإسرائيلي، دون أن يعلن عن مكان تلك الدبكة، لكن تسود فكرة بأنه في أحد المدن الكردية، أو يجد المتابع تجمّعاً كرديّاً يخطب فيه شخص يقدم نفسه على أنه إسرائيلي، ويهتف (تعيش الأخوة الإسرائيلية الكردية)، ولاشك في أن تلك المشاهد تعتبر صيداّ ثمينا للشوفونيين العرب، لينطلقوا مؤكدين على أن كردستان هي بالفعل إسرائيل جديدة، وتروج لهذه النظرة، بل وربما تصبح يقيناً، لتصبح النظرة العربية للكرد، نظرة معادية (نتحدث عن الشعوب وليس الحكومات)، هذه الفكرة سائدة، رغم أنّ التاريخ يؤكد على أنّ العلاقات الكردية الإسرائيلية لم تكن جيدة بالمطلق، ففي أوقات قامت علاقات كردية إسرائيلية بسبب شعور الكرد بأنهم وحدهم في الدنيا، ولم يجدوا سوى اليد الإسرائيلية هي اليد الوحيدة الممدودة إليهم، ولأنّ إسرائيل ما مدت يدها إلا من أجل مصالحها، فإنّها بعد انتهاء تلك المصالح تسحب يدها الممدودة على الفور، وظهر ذلك بوضوح بمجرد عقد اتفاقية الجزائر عام 1975، إذ قررت الحكومة الإسرائيلية إغلاق الملف الكردي، وقالت في بيان واضح: “لم يعد لنا حاجة بالكرد”، ومع رواج النظرة العربية إلى المسألة الكردية، وأنّها إسرائيل الجديدة، لم نجد صوتاّ كردياّ في الأوساط العربية يفند تلك النظرة، وأسانيد ذلك عديدة ويمكن بالسهولة التطرق إليها، ومنها أن من أهم أسباب اعتقال الزعيم عبد الله أوجلان هو موقفه  من إسرائيل والولايات المتحدة، وكان من الواجب أن يؤكد  هذا الصوت الكردي على معلومة تاريخية موثقة، وهي مشاركة الكرد للثورة الفلسطينية في كفاحها ضد إسرائيل، وأنها قدمت 12 شهيداّ في معركة قلعة شقيف بلبنان، ولأن كردستان العراق هي التي كانت حاضرة في الذهن العربي، فإن المسألة الكردية حتى وقت قريب كانت تنحصر في الذهن العربي بشكل عام في كردستان العراق، وفي لحظات نادرة كانت المسألة الكردية في تركيا تقفز للصدارة، وظهر ذلك جليًّا عند ملابسات مطاردة أوجلان ومن ثم اعتقاله في نيروبي بكينيا، لكن ماعدا ذلك كانت المسألة الكردية في العراق هي المهيمنة عربيّاً، ولأن النظام العراقي كان يستخدم على نطاق واسع أسلوب شراء الذمم خصوصاّ ذمم الإعلاميين الذين يؤثرون في الرأي العام (لنتذكر كوبونات النفط وسيارات المرسيدس).

لقد كان نتيجة ذلك إلى جانب عوامل أخرى، هي تلك الصورة المغلوطة والمشوهة عن الكرد، والتي انتشرت في الأوساط العربية والمصرية بالذات لسنوات، وعلى الجانب الآخر فإنه تنتشر في الأوساط الكردية صورٌ مغلوطة ومشوهة أيضًا عن الإنسان العربي، وممّا يدعو للأسف أن هذه الصورة منتشرة بين شباب الكرد، وصفحات السوشيال ميديا الحافلة بها، فالعربي هو(الجاهل المتخلف الهمجي مصاص الدماء الإرهابي وشارب بول البعير …الخ)، ولأن هذه الألفاظ تصل إلى المتابع العربي فإنها تسهم في توسيع جفوة العداء بين الطرفين، ومنذ سنوات سادت في الأوساط الكردية في العراق حكاية لا يمكن أن يصدقها عاقل، تتحدث تلك الحكاية عن قيام الاستخبارات العراقية إبّان حملة الأنفال في عهد صدام حسين، ببيع عشرات الفتيات الكرديات إلى السلطات المصرية، للعمل كراقصات في الملاهي الليلية المصرية، ووصل الحال بأحد الصحفيين الكرد، بالادّعاء بأنّه التقى بإحداهن في أحد الملاهي الليلية في منتجع شرم الشيخ السياحي، وأصبحت تلك الحكاية حقيقة ثابتة في الذهن الكردي أواجه بها كلّما شاركت في لقاء في كردستان العراق، ولأنها تتعلق بالشرف الذي له قداسته، فكان الضغط الشعبي على حكومة الإقليم هائلًا، ممّا جعل تلك الحكومة تشكّل لجنة لبحث هذه المسألة (كان كاتب السطور عضوًا فيها)، بل أرسلت الحكومة للقاهرة وفداً من أهالي تلك الفتيات لبحث الأمر، والتقى كاتب السطور بالوفد وتحاور معه، وفنّد لهم كافة الادّعاءات تلك، لكنّ المسألة كانت مؤلمة كثيراً على المستوي الشخصي، فرغم أنّني كنت معارضاً لنظام مبارك إلّا أنني لا أتصوّر أن تصل الأمور بأحد أجهزة نظامه إلى هذا المستوي الوضيع (القوادة)، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ هذه الحكاية اللامنطقية عرضت كاتب السطور للعديد من المشكلات في مجال الدفاع عن المسألة الكردية، فالحكمة تقول: (من يكذبك فيما تعرفه لا تصدّقه فيما لا تعرفه)، من هنا كان التكذيب لأي حديث عن الويلات التي تعرض لها كرد العراق، كما أنّ صورة القضية في حدّ ذاتها تأثرت بتلك الحكاية، وأصبحت صفة المبالغة (على الأقل) هي صفة الكرد السائدة في الأوساط المصرية.

من كل ذلك نخلص إلى أهمية تنقية نظرة كل طرف للآخر مما بها من شوائب، فما بين الطرفين من إيجابيات أكثر بكثير مما بينهما من سلبيات لا دخل للشعوب بها، فالعامل الجغرافي يحتم ضرورة علاقة حسن جوار بل ود متبادل بينهما، إذ من المستحيل أن يعطي طرف منهما ظهره للآخر، بل على العكس لابد أن يكون كل منهما سند للآخر، فبالنسبة للطرف الكردي يجب عليه أن يدرك أن العرب وبالذات مصر، من الواجب والضروري أن تكون عامل إضافة له وليست خصماّ من قدراته، ونفس الشيء مطلوب من الجانب العربي والمصري خاصة، وإذا كانت الفوضى السياسية هي التي تضرب بأطنابها حالياّ في الطرفين، فمن المهم أن يعود للمنطقة استقرارها السياسي، وعندها يمكن السير بقوة على طريق دعم العلاقات العربية الكردية، لكن إلى أن يحين أوان ذلك، لابد من القيام بخطوات مطلوبة وضرورية، ومنها العمل على توحيد وترتيب البيت الكردي من الداخل، والتقليل قدر الإمكان من التباينات القائمة بين الفصائل والتنظيمات والتيارات الكردية، فليس من المعقول ولا المقبول أن تتراشق تلك الأطراف فيما بينها باتهامات وتخوينات، مما يسهّل على خصوم الكرد استخدام تلك الاتهامات المتبادلة للنيل منهم وتشويه صورتهم، من هنا بات من الضروري العمل بكل جدية من أجل التلاقي والتوافق بين كل تلك الأطراف، سواء كان ذلك من خلال اتصالات أو اجتماعات أو وسطاء نبلاء مخلصين، وكبداية نأمل أن يتم الاتفاق  بين الجميع على سقف للخلافات لا يجوز تجاوزه، كما يتمّ التوافق على الطرف الكردي الذي سيدخل في حوارات مع الطرف العربي، أمّا على الجانب العربي الذي يشهد اضطراباً ربّما يفوق ما في الجانب الكردي، فإنّه من المفيد أن يكون البدء بمصر، لأنّها الدولة الوحيدة الأقل اضطراباً والأكثر استقراراً من باقي الدول العربية، فضلاً عن أنّ مصر مهما ألمّت بها الظروف، فستظل مصر بمكانتها عربياّ وإقليميًّا، وهي بوابة العرب بكل تأكيد، وعلى مصر حكومةً وشعباً إدراك أن الأكراد صاروا رقمًا مهمًّا ليس في الدولتين العراقية والسورية فقط، بل على المستوى الإقليمي وربما الدولي أيضاً، خاصةً إذا أضفنا إليهما أكراد تركيا وبالذات حزب العمال الكردستاني؛ (عبد الله أوجلان)، والفصائل الكردية المتحالفة معه في سوريا وإيران، لذلك أصبح من المهم مصرياّ تدعيم العلاقة معهم، أملاً في جعلهم عامل إضافة بدلاً من أن يكونوا عامل خصم، وما بيننا وبينهم على مرّ التاريخ من إيجابيات أكثر بكثير من أي سلبيات كانت أو بقيت، وهذا يسهل في الوصول إلى هذا الهدف المهمّ، ويجب عدم التوقف على طريق تحقيق هذا الهدف، سواءً بقي هؤلاء على وضعهم الحالي أو أقاموا دولتهم وفق حلمهم التاريخي (وهي مسألة صارت مستبعدة حاليًّا بعد فشل الاستفتاء الذي أجري في كردستان العراق في تحقيق نتائجه) ،وكخطوات أولية لذلك فإننا نقترح أن تقوم منظمات المجتمع المدني (العربية والكردية) بالخطوات الأولية، والتي تشمل حوارات ثقافية واجتماعية بين الطرفين؛ (المصري والكردي)، وورش عمل في القضايا العقدية، ثم مؤتمرات موسعة يشارك فيها المتخصصون من الطرفين، مع تدعيم العلاقات بين المراكز البحثية وتبادل المطبوعات فيما بينهما، وخلال هذا العمل المشترك ستبرز آفاق جديدة  للعمل المشترك، فإنّ الأمل كبير في نتائج الإقدام على هذه الخطوات، لأنّ تدعيم العلاقات العربية الكردية سيثمر خيراً على الطرفين، وسيسهم بلا شك في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

رجائي فايد/

رئيس المركز المصري للدراسات والبحوث الكردية

وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التاريخ الفلسطيني يحفى بمجازر إسرائيلية ارتكبت بحقه

/مصطفى الدحدوح التاريخ لم يغفل عنه لحظة من اللحظات المؤلمة التي مر ...