الرئيسية / مقالات / حصار الذات العراقية قراءة تحليلية في تجارب الفشل الحضاري

حصار الذات العراقية قراءة تحليلية في تجارب الفشل الحضاري

كامل الدلفي

(للبداية بداية ولكل بداية بداية فلا من بداية بلا بداية) هواي نان ان فكرة اعادة انتاج الذات العراقية وفق مقاسات معاصرة وبالمعنى الدقيق للمفردة يتطلب وقفة شجاعة من الراغبين في ذلك ليسهل عليهم رسم خريطة الطريق دون ان يهملوا او يسقطوا من حساباتهم الصعوبة المركبة في الامر واهونها التوطين على التضحية بالنفس (كل نفس ذائقة الموت) وعلى مشاق محتملة الوقوع تفوق في احيان كثيرة قساوة الموت ( لنبلوكم بشيء من الخوف والجوع). ( وعن ابي بكر الشبلي قال : قصدت الحلاج وقد قطعت يداه ورجلاه وصلب على جذع فقلت له: ما التصوف فقال :أهون منه ما ترى فقلت ما أعلاه فقال ليس لك اليه سبيل . ولكن سترى غدا فلما كان وقت العشاء جاء الاذن من الخليفة ان تضرب رقبته) (1) (كتاب اخبار الحلاج- لويس ماسينيون وبول كراوس – ص 40) فالمسألة التي نرى دورها الفاعل في عرقلة انتاج راهنية حضارية انما تتمحور في تلك القطيعة الجبرية في زمنية العراق والمكورة في هيئة ثقب خرافي هائل وسحيق وليس فاصلة او هوة بحسب ما يهوّنها كتـّاب معينون .الفراغ القصدي المطلق بين حاضر الانسان العراقي وبين مبتدأه ( نشوئه الحضاري الاول) الذي مثل الكينونة السببية للتجربة الانسانية كافة او ما تم تسميته بأمومة الثقافة. أي انه المركز الانساني مما يسهل لنا الخروج بالتفسيرات الواضحة لسيول الحملات المستمرة التى تشنها الاطراف على المركز بدعاوى مختلفة. فتلك الحملات العالمية على العراق لا تخرج عن كونها دورانا حول الام والمركز والقلب لأسباب مختلفة يدخل ضمنها المنافسة والحقد والغيرة والعدوانية وكل ما يشتق من امراض النفاس. وفي نفس السياق يمكن لنا تفسير الاحتلال الاميركي للعراق لفترة 2003-2011 بحجة وشعار الديمقراطية وتأثيراته ونتائجه انما يتساوق كثيرا مع داعي تفكيك المركزية الام وانشاء منطقة رخوة في العراق لا تمثل قطبا للجذب الدائم كما هي عليه ويقصد من وراء ذلك خلق نقطة تحول كبرى في المبتدأ الحضاري والانساني وذلك بدوافع نفاسية محضة والتي خضب ببعض تلويحاتها الرئيس الاميركي جورج بوش شيبة الحضارة الغربية حين المح الى البعد الديني من ضمن دوافعه للتوجه الى العراق وافصح عن اوامر ربه بهذا الصدد. ومن اللائق ان نذكر هنا باستمرار العجز التاريخي للاستيطانات كافة وعدم قدرتها على ان تلحق اي تغيير في هوية العراق والسبب يعود بلا شك لان العراق هو المركز والام والغرب والاخرون يمثلون الابناء والخلفة (فلا يمكن تغيير الام على مقاس البنت او تغيير الاب على صورة الابن )، فلا يقال للاب بانك تشبه ابنك بل يقال للابن بانك تشبه اباك. على الرغم من ان الابناء طالما يسببون المتاعب الى اهليهم الا انهم لا يمحقونهم. وقد وفر الشيخ النمساوي سيجموند فرويد صاحب نظرية التحليل النفسي للناس فرصة التفكير وفق استنتاجاته المخبرية التي افادت بإمكانية تحرك الابن ضد الاب عدوانا بدوافع جنسية والمحنا الى افتراضه باستخدام لغتنا الشرقية وقلنا بدوافع نفاسية لتكون اعم من مصطلح الدوافع الجنسية الواردة في التحليل النفسي . للقطيعة مع المبتدأ الوجودي اثار مدمرة على الذات اشدها الاصابة بأمراض الاحتكاك بمراكز القوة الجديدة والتى جاءت كسيل ينحدر الى منخفض فقد اصيب العقل العراقي بالتابعية والتأثرية ووقفت خاصية اجتهاده جوهرا على الرغم من تواصلها شكلا فاوجز فاعليته بالنقل والنسخ والمحاكاة والتناص والتقليد والتماهى والدوران حول مقولات غربية غير مستنبتة في واقعه ووصمت حركة الاتصال بالماضي بالرجعية وشنت ضدها الحروب غير المتبصرة وقد رفع دعاة التحرر منذ مطلع القرن العشرين شعار الحرب على الرجعية التي تعني الدلالة المذكورة واغلب هؤلاء الدعاة من اليسار الذين منحوا انفسهم صفة التقدمية وشملت غالبا انصار واصدقاء الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ساعتئذ، اي رجالات شيوعية ويسار الترجمة وليس شيوعية الجماهير(القاعدة ) وفي هذه الايام قام برفع اليافطة انصار الليبرالية من اصحاب الثقافة المترجمة وديمقراطية الصالونات البعيدة عن ديمقراطية الجماهير (القاعدة ) من الذين لا يهتدون الى سر الفوضى القائمة ولا يصلون الى استبصار في حلول ناجعة لإشكالية العراق القائمة. وقد فات عليهم ما كان يرمي اليه نحاة المصطلح (مصطلح الرجعية الشائع في منطقتنا) من جهابذة الفكر الغربي اذ كانوا يرمون الى تكريس القطيعة بين حاضر الامة وماضيها فالعودة الى ماضينا واكتشافه لا يمثل رجعية بل هو تحرير الذات من مكائد الاستيطان وكان لهم مارادوا واقعا. واشاع التقدميون المذكورون ومن التحق بركبهم من مفكري ومثقفي وسياسيي المشاريع القومية اكواما من المفاهيم المترجمة عبر آلية نقل صماء وسعت محاور الحياة من الالف الى الياء فلم تنج من التأثر والتماهي لا طريقة حياة او اسلوب تفكير او فاعلية بايلوجية وبحجة التمدن وهضم أطاريح العصرنة جرى تسويق النقطة والفارزة والملبس والمأكل وطريقة المشي والرقص والحلاقة والبراز والقتل حتى صرنا ظاهرة مترجمة. وفقدنا رصيدنا الوجداني وطرق الاحساس به وادرنا راحلة العقل الى مرجعيات الغرب فصرنا على مذاهبهم وسننهم وشرائعهم والانكى منه اصبحنا نتعرف على تاريخنا من خلال النص الغربي المترجم الى لغاتنا ونحتج على بعضنا بصحة هذه الظاهرة او بطلانها من خلال اراء المستشرقين وتقييمات علماء التاريخ والانثربولوجيا الغربيين لهذه الظاهرة او تلك من تاريخنا او حاضرنا فاصبحوا وكأنهم عدسة النظر الى انفسنا. وذهب العقل العربي والاسلامي ابعد من ذلك كثيرا حين تماهى مع ذلك السياق فبايع الغرب على بداية نهضة المنطقة معتبرا حملة نابليون الاستعمارية على مصر فاتحة اليقظة المعاصرة ولو كانت كذلك لماذا لم نتلمس النهضة واقعا؟ والدليل الذي نسوقه على افلاس حجة هذا الاعتبار قيمياً هو ما يقوم به العقل الغربي من جهود مضنية في التفتيش عن نقطة حيوية لاعتبارها نقطة بداية في المنطقة وقد وصلوا واتباعهم من مثقفي الليبرالية المترجمة في المنطقة الى ترشيح احتلال العراق عام 2003 ليمثل بداية المرحلة الثانية من النهضة دون غمط مكشوف ومباشر لحقوق نابليون بونابرت. وانقطع السبيل الى معرفة الذات واشيعت صور الغرابة ومظاهر التغريب، ولا احد بمأمن عن هبوب العاصفة، ولم يتفق على طرق انتاج الحلول المنطقية الى ساعتنا، بل ان الامر زاد تعقيدا بالاحتلال الامريكي، ما يجعل طرح اعتقادنا المبين في هذا المقال بقوة وايمان امر على غاية من الاهمية وقد سبقنا الى القناعة به آخرون لاشك في هذا واخص بالإجلال مقام السيد عبد الله اوجلان رعاه الله في محنته وأمده بالصبر والعافية ومقام المعلم القطب السيد هادي العلوي طاب ثراه ، يقول السيد العلوي في مدارات صوفية :(اما نحن فلدينا مهمة نؤديها بعلم وقصد لأننا محجوبون عن تاريخنا بستة قرون من الاحتلال الاجنبي –ص8 – ويقول : مهمتنا واعية قاصدة هي العودة الى التراث اي البدء من النهاية – ص9 – ويضيف نحن الان في نقطة الصفر والصفر بداية والبداية لا تبدأ من فراغ ويمكننا ان نبدأ بداية قوية وصحيحة بعد ان جربنا وسقطنا وجربنا وسقطنا وجربنا و.. وقد نجرب ولا نسقط _ ص71) ..(2) ( هادي العلوي – مدارات صوفية –دار المدى) فالتخفيف من ظواهر الترجمة وربط الظاهرة المعاصرة بجذرها التراثي والتاريخي يمنحنا مفاتيح المغلقات في مرحلة بناء الانسان المعاصر ويمد العقل العراقي بخاصية الاجابة عن اسئلة الحضارة وتجاوز التردد الخجول في عدم الاجابة عن الاسئلة المعقدة النابعة من المفاهيم المضادة المملوءة بالضدية الى اخمص قدميها وتنث افتراضات معادية من مثل ان العراقيين شعب لا ينفع للديمقراطية والحضارة والحرية والمساواة والتقدم وانه تجمع خالص من بدو اجلاف والعراق دولة مصطنعة لسكان قاصرين او الاطروحة الغريزية التي تقول بأن من نكد الدنيا على الكون ان العراقيين يمشون على ثروات هائلة لا يستحقونها وهلم جرا من اطاريح قاسية مناوئة وصولا الى نزع الانسنة عنا والتمادي في التجريب بحيواتنا سواء على الاصعدة المخبرية اوفي انماط الحروب الامبريالية التي تشن على العراق بدون انقطاع او التدخل المباشر بشؤوننا بحسب المزاج الكوني او استقدام الارهاب عمدا وقصدا الى اراضيه. ان تناول هذا المرفق بالعناية والاهتمام واعطاءه ما يستحقه من التحليل يسدي خدمة لروح النص الكلي في بحثنا فقد وردت الاف الاشارات عن الفشل الحضاري في الشرق عموما وفي العراق على وجه الخصوص وملئت كتب واوراق وصفحات الكترونية بانماط متنوعة ذات قواسم مشتركة مع الفكرة، ودائما ما يعمد علماء الاجتماع الاوربي وتلامذتهم من الشرقيين الى تحميل العراقيين مسؤولية الفشل وفق اليافطات والعناوين العريضة التي اشرنا لها انفا، والتي تنبع من عناصر التفكير الغربي المشبعة بالاستعلائية والانانية تجاه الشرق والاسلام والعرب واتهامهم بالقصور والدونية، وهناك عامل اخر يضفي على المشهد تعقيدا اوسع ويدفع الغرب الى المزيد من التماهي في موقفه ونظرته ذاتها عنا، الا وهو عدم استجابة العراق الى التجارب النموذجية الغربية كاشكال الدولة والحكومة والاقتصاد والفكر والاجتماع، مما يوحي بان الفشل نابع من الطبيعة التكوينية للمجتمع العراقي ومن خواص افراده، وقد اخفق علم الاجتماع الغربي في ادراك السبب الحقيقي فيما وراء ذلك. اذ ان النماذج المستوردة من انظمة حكم واشكال دولة وفلسفة غربية وطرق تنظيمية وسواها والتي لم يتقبل تطبيقها واقع العراق انما هي شتلات بلاستيكية ميتة تخلو من الروح فصعبت عملية استنباتها فهي ديكور خالص لا تمنح سلة الغذاء العراقية نبتة كراث واحدة. ولمزيد من التعرف على المواقف الغربية اود الاحالة الى كتاب الديمقراطية والوعي السياسي للكاتب المصري د. امام عبد الفتاح امام الذي المح بالكثير من الملحوظات القيمة عن مواقف واراء الغربيين نحو الشرق وتلكم النظرة غير السديدة التي ترافق تقييماتهم فقد ذكر موقف ارسطو دون تهيب لمكانته الفلسفية واستاذيته لان الدكتور امام لا يجد ثلمة في انثربولوجيا الشرق تسوغ لاحد مهما علا شأنه وان كان ارسطو ذاته في النيل من عباد الرحمن الشرقيين وإذلالهم بالتقييم فقد قال ارسطو :ان الجنس الروماني هو ارقى الشعوب واصلح للحكم الديمقراطي في حين ان الهمج والبرابرة ومنهم شعوب الشرق القديم لا يصلح لهم سوى حكم الاستبداد والطغيان لانهم خلقوا عبيدا بطبيعتهم. وذكر في هوامش الصفحة 75 من الكتاب ( الغريب ان بعضا من اعلام الفكر يشاركون بعضا من العرب في استحالة تطبيق الديمقراطية في مجتمعاتنا، فيرى مونتسكيو ان الحكومة المعتدلة هي اصلح ما يكون للعالم المسيحي والحكومة المستبدة هي اصلح ما يكون للعالم الاسلامي ] روح القوانين –المجلد الثاني –ص 178[،وجون ستيوارت مل يحجب الحرية التي هي عصب الديمقراطية عن الشعوب التي اسماها متخلفة لانها لاتزال مجموعة من القُصـّر]عن الحرية ص 73[، ويرى برتراند رسل استحالة ممارسة الديمقراطية في مجتمع تسوده الامية) (3) الديمقراطية والوعي السياسي – د. امام عبد الفتاح امام منشورات شركة نهضة مصر-2006. ارى ان الدكتور امام يعطف اراء الغربيين على مواقف مجموعات محلية من العرب تذهب الى نفس الراي وان شدة اندهاشه اتية من الغربيين الذين يصفهم بأعلام الفكر حين يتخذون تلك الآراء ولا تدهشه المواقف العربية المحلية، التي لا يرى في موقفها اية غرابة لانها تنبع من سياق طبيعي لفكر المنطقة والشرق ولا يرى مقدار تطابقها مع الاطاريح الغربية ونسخها منها خاصة في مجال الاجتماع والحريات والنظم الحكومية، وفي تقديري ان المعرفة والنظام التعليمي الحديث في المنطقة قد بني على اساس المعلومة الغربية الصرفة في كافة المستويات، وان التقييمات الدائرة في المدرسة العربية والاسلامية تقوم على اساس غربي وهي انعكاس ونسخ لها وتتبنى موقفها عن طبيعة الشرق وعبوديته المزمنة بحساب الراحل ارسطو. فهي لاحقة وليست سابقة في الموقف من الشرق، فالغرب يعلمنا كيف نكره انفسنا ونقر بالعيوب التي يراها بنا، وتلك مخاطر النسخ والترجمة التي بنينا اطروحتنا بالضد منها. ومن الملاحظ ان بعض المفكرين والنقاد الغربيين تتغير مواقفهم تجاهنا بالمعايشة والتقرب والصداقة مع شخصيات وكتاب ومثقفين عراقيين وعرب وشرق اوسطيين، فتراهم يعترفون بالقيمة الابداعية عند هؤلاء والى مديح الشرق والتعاطف مع قضاياه والدفاع عن انسانيته، مما ياخذنا الى ضرورة التمعن في تقييم المواقف. فمثلا ان تزفيتان تودوروف يقدم ادوارد سعيد الى قراء الفرنسية وذلك بتصديره لكتاب الاستشراق بالفرنسية او يقول عن محمود درويش: شاء الحظ ان التقي درويش وان اتحدث اليه اسابيع قبل وفاته خلال حفل القراءات الشعرية في آرل (جنوب فرنسا) يمكنني القول ان الامسية كانت مفعمة بكثافة خاصة. (4) (جريدة النهار – باريس –نجيب الكهرماني منشورة في موقع معابر الالكتروني) وعلى العموم فقد فشلت الملكية المستوردة وديمقراطيتها التمثيلية الصالونية التي انحصر ترددها في موجات فوقية متعالية وفصلت نفسها بعوازل نهائية عن الشعب الذي يمثل مصدر السلطات في فلسفة الديمقراطية الليبرالية ولفظت للأسف من العراق بطريقة تراجيدية مؤلمة لم تكن لازمة ولا ضرورية، لتأتي من بعدها جمهورية عجزت عن ان تمنح العراق ايا من اهدافها الرئيسية التي لوحت بها وظهرت الى الوجود باسمها وسيرت من اجلها انهارا من دم العراقيين كالاستقلال والخروج من التبعية المالية والتنمية والعدالة والاصلاح الزراعي والتأميم والاسكان وحرية المرأة وغيرها مما حفل به ارشيفها الواسع. فقد اوحت الجمهورية الى الناظر وكأنها تتحرك بشكل دائري يبدأ من نقطة ويعود اليها فخلال عمرها القصير بين 14تموز1958 وسقوطها في 9 نيسان 2003 فانها قد اشبعت مفرداتها حضورا قسريا لتنتهي بكنسلة برامجها كافة والاستسلام الى واقع مطابق لما قبل 14 تموز 1958على مختلف المستويات. يؤيدني فيما ذهبت اليه جملة من مجريات الاحداث بعد التغيير عام 2003 وثمة واقعة شخصية تنتج دلالات كثيفة مؤيدة حدثت لي مع احد رموز الاقطاع العراقي المميز قبل 1958 وذلك في المدينة التي نزحنا عنها مجبرين الى بغداد عام 1961 بسبب من ردة الثورة وقتذاك واستهداف ابي واعتقاله وسحبه بالحبال لانه كان يرأس لجان تطبيق قانون الاصلاح الزراعي في لواء العمارة. حدثت في العام 2005 حين ذهبت الى مسقط راسي في شأن عائلي ومذ عرفني الرجل الثمانيني الذي صادرت الجمهورية اراضيه وفق قانون الاصلاح الزراعي لم يترك فرصة دون تسفيه ثورية عائلتنا ومواقفها المؤيدة للجمهورية فسد علي الهواء شامتا بخطابة منتصرة: ( وين نجمتكم الحمرة رجعت النه واكثر من قبل). من المؤسف جدا ان تذهب اتعاب الجمهوريين ادراج الرياح وينتهي المطاف بهم الى استنكار افعالهم من الاجيال اللاحقة سيما ما يسف به بعض كتاب المقالات من المتأثرين بالليبرالية في الصحف اليومية والمواقع الالكترونية المدعمة من وكالات الغرب، لكن ذلك شأن، والحقيقة شأن آخر فقد بنيت مقولات الجمهوريين وفي مقدمتها الاستقلال على ركائز مترجمة ونصوص ثقافية انجليزية واوربية محضة ولم يتعمق احد في ربط المفردات والاستقلال على وجه الخصوص بجذورها المعرفية التراثية، وبهذا لم يحصل التطابق بين الاصطلاح السياسي للاستقلال وبين ضرورته كوجود عراقي خالص، فالاصطلاح كان محملا بالدلالات المترجمة التي يحفظها سياسيو الحقبة من شيوعيين وقوميين ووطنيين وضباط احرار الذين نقلتهم الدلالة الى الذوبان في تجارب الامم وعمدوا الى صناعة تلك التأثرات وشخصنتها في الساحة العراقية دون تحمل عناء الربط مع الجذر والواقع. لم يسلم احد من الخطأ واذا جئنا بتسمية او تشخيص احد ما فلا يعني انه يتحمل الامر بمفرده وان الاخرين بمنأى عن الخطأ، ان الجميع لهم حصص متساوية في ركب موجة الابتعاد عن الواقعية بسبب من وحدة ذهنية المجتمع العراقي التي لم تتقدم وحتى الان خطوة باتجاه قراءة نفسها بشكل صحيح. فالثقافة الاممية المترجمة التي قام بتوزيعها السوفيات الى الشعوب عن طريق اصدقائهم ومواليهم اثرت كثيرا في عدم منح العراق فرصة في التعمق ومعرفة الذات، فالاشتراكية لذيذة حقا وقد انتمى لها الناس والمثقفون بشكل عاطفي واغرقتهم المترجمات الحمراء باطنان الخيالات عبر سيطرتها على العقل والقلب ما سهل للضابط الحر عبد الكريم قاسم ان يتلاعب بمصير العراق دون مانع او صد من الثقافة المترجمة الحمراء التي اهتمت بشؤون الواقع الاممي في كوبا وكوريا والسلم العالمي اكثر من المحليات، فاخفقت في تشخيص حلول المشكلات واسبابها التى ما فتأت تتفاقم في الساحة العراقية، فلم ينتظر الشعب منها تشخيصا او تقربا اوعلاجا او استئصالا بسبب تماهيها الحاد مع شخصية الضابط الحر عبد الكريم قاسم والذي جعلت حركة جماهيرها رهن اشارة يده وان ذلك العجز تجلى في عدم قدرتها في توفير الحماية له ولها وللشعب امام قوة صغيرة لا تشكل 5% امام قوة الدولة والحكومة والشعب فانهزم الجميع امام العدو الصغير في يوم اسود هو 8 شباط 1963. والمفيد في هذا الاسترسال هو ان قائمة الاصطلاحات والممارسات المترجمة المنقطعة عن التراث تعجز عن ان تجد لنفسها تربة انبات كي تصبح واقعا عمليا ملموسا، وهذا شأن فاعل وصحيح فيما يخص كل المقولات المترجمة من ديمقراطية وليبرالية ومجتمع مدني وفيدرالية وحرية مرأة وشيوعية وجمهورية وملكية، طالما تظل تشتغل في الفوق وتخص النخبة في تطبيقها وتنأى عن مكونات القاعدة. فاذا ما فتشت ووجدت معادلها الموضوعي في ارض العراق ستتمتع بقدر هائل من المرونة والطواعية والقابلية على تمثيل الواقع والقدرة على المعالجة والتصويب بدرجات تفوق النسخة الفرنسية او الإنجليزية او الالمانية او غيرها، لان روح الامم لا يمكن نسخها، بينما لو حظيت بمعادلها السومري والبابلي والاشوري والكلداني فذلك سيعلن عن تجددها الروحي الدائم.

عن الشرق الأوسط الديمقراطي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

 أمة الانثى وسيادة السياسة الذكورية

سترك كلو ربما تواجهنا مشاهد من اكثرها تعقيداً لدى تناول دور المراة ...